فخر الدين الرازي

82

شرح الفخر الرازى على الاشارات

عددناها وجدنا اللذات حقيرة في جنب الآلام وإذا كان الامر كذلك فكيف يكون مثل هذه اللذات في مقابلة هذه الآلام مرغوبا فيها ولولا ما نرجوه من اللذات العظيمة الأخروية والا لكان العدم المستمر أولى ( وهم وتنبيه [ في دفع ما قيل إن مصادر الافعال الإرادية ثلاثة ] ولعلك تقول ان أكثر الناس الغالب عليهم الجهل وطاعة الشهوة والغضب فلم صار هذا الصنف منسوبا فيهم إلى أنه نادر فاسمع أنه كما أن أحوال البدن في هيئة ثلاثة حال البالغ في الجمال والصحة وحال من ليس ببالغ فيهما وحال القبيح والمسقام أو السقيم والأول والثاني ينالان من السعادة العاجلية البدنية قسطا وافرا أو معتدلا أو يسلمان كذلك حال النفس في هيئتها ثلاثة حال البالغ في فضيلة العقل والخلق وله الدرجة القصوى في السعادة الأخروية وحال من ليس له ذلك لا سيما في المعقولات الا أن جهله ليس على الجهة الضارة في المعاد وان كان ليس له كثير ذخر من العلم جسيم النفع في المعاد الا انه في جملة أهل السلامة وقيل حظ ما من الخيرات الآجلة وآخر كالمسقام أو السقيم هو عرضة الأذى في الآخرة وكل واحد من الطرفين نادر فالوسط فاش غالب وإذا أضيف اليه الطرف الفاضل صار لأهل النجاة غلبة وافرة ) التفسير الغرض من هذا الفصل القدح فيما ذكر من أن الخير غالب وتقريره انا نرى الجهل وطاعة الشهوة والغضب غالبا على الخلق وكل ذلك شرور لأنها أسباب العقاب وعلى هذا التقدير الشر غالب ثم أجاب عنه بأنه كما أن أحوال البدن في الجمال والصحة على أقسام ثلاثة أحدها الفائق في الجمال والصحة والثاني المتوسط والثالث القبيح والمريض والأول والثاني ينالان من السعادة العاجلة قسطا وافرا أو معتدلا أو يكونان من أهل السلامة فكذا حال النفس في هيآتها ثلاثة أحدها الغاية في كمال العلم وحسن الخلق والثاني الخالي عن العقائد الحقة والباطلة والاخلاق الجيدة والرديئة والثالث الموصوف بالاعتقادات الباطلة والاخلاق الرديئة فالقسم الأول ينال السعادة العظمى والقسم الثاني فهو من أهل السلامة ونيل حظ ما من الخيرات الآجلة والقسم الثالث صاحب الشقاوة الكبرى ثم إن كل واحد من الطرفين نادر والوسط فاش غالب وإذا أضيف اليه الطرف الفاضل صار لأهل النجاة الغلبة ولقائل أن يقول اما أن تقولوا بان المتوسط من أهل السعادة أو من أهل السلامة والأول مكابرة لان لذات المتوسطين في الصحة والجمال غير غالبة على عدم لذاتهم على ما بيناه وان كانت غالبة على آلاتهم والثاني مسلم لكنه يخرج منه أن السلامة غالبة لكن السلامة لا تصلح داعية إلى الخلق والايجاد فبطل ما ذكرتموه ثم إن تنزلنا عن هذا المقام لكنكم ذكرتم أن أحوال النفس في العقائد والاخلاق ثلاثة طرفان وواسطة وذكرتم أن الواسطة هي الغالبة فان عنيتم به أن الواسطة في العقائد هي الغالبة أي النفوس الخالية عن الحق والباطل أكثر من النفوس المنتقشة فهذا مسلم لان أكثر لخلق عوام وان عنيتم أن الواسطة في الاخلاق هي الغالبة فهو باطل لان الغالب على أحوال الخلق أن تكون نفوسهم مستغرقة في محبة الدنيا والمال والجاه ومتابعة الشهوة والغضب بل القسمان أعنى النفوس الفاضلة في الاخلاق والخالية عن الاخلاق بالنسبة إلى النفوس الرديئة